الشيخ حسن أيوب

63

الحديث في علوم القرآن والحديث

وتتسق أمر يعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله ، ثم صار المعاندون له يقولون مرة : إنه شعر لما رأوه منظوما ، ومرة : إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه ، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب ، وقرعا في النفوس يرهبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ، ولذلك قالوا : إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وكانوا مرة بجهلهم يقولون : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور ، التي أوجبها العناد والجهل والعجز . ثم قال : وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ، ذهب عنه الناس وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس ، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا ، إذا قرع السمع خلص منه إلى القلب من اللذة والحلاوة ما لا مثيل له . قال تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ سورة الحشر آية : 21 ] . وقال اللّه تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [ سورة الزمر آية : 23 ] . وقال القاضي عياض في « الشفا » : اعلم أن القرآن منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة وجوه : الأول : حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب ، الذين هم فرسان الكلام وأرباب هذا الشأن . الثاني : صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب ؛ المخالف لأساليب كلام العرب ، ومنها نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته ، وانتهت إليه فواصل كلماته ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، قال : وكل واحد من هذين النوعين الإيجاز والبلاغة بذاتها والأسلوب الغريب بذاته نوع إعجاز على التحقيق ، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما ؛ إذ كل واحد خارج عن قدرتها ، مباين لفصاحتها وكلامها ، خلافا لمن زعم أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب . الثالث : ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات ، وما لم يكن فوجد كما ورد . الرابع : ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة ، إلا الفذ في أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم